العلم و سياسة الكنائس

اكتشافات مهدت للحرية


العلم و سياسة الكنائس 


لَطالمَا كانَ العلْم عدوًّا لدُودا للدُولِ المُستبِدَّة و سِياسَاتِ الطُّغاة. و لَعلَّ هجومَ الكَنائسِ عَلى العُلماءِ آنَذاك كَان مرتَبطًا بخَوفهِم الشَّديدِ مِن استِنارَةِ العُقولِ و تَشَبُّعهَا بالمَعرفَة. إِذْ أَنَّ وَعيَ الشُّعوبِ كَانَ يَعنِي الثَّورَة و انتِهاء عَهدِ الظَّالِمِين. وَ كَانت السِّيَاسةَ حِينهَا مُرتبِطَةً بِشكْلِ وَثيقٍ بالدِّين و الدِّينُ عِندَهمْ هُو أَعلَى سُلْطَةٍ بَيدَ أَنَّ هَذهِ السُّلطَة العُليَا كَانَت فِي قَطِيعةٍ مع شـتَّى العُلوم.
كيف لا و قَد فَضَّل نيكولَاوس كُوبِرنيكوس المَوتَ دُونَ أَن يَرى اكتشَافه النُّور خَوفًا مِن عِقابِ السُّلط. حَتَّى عِندَمَا تَوفيَّ و نَشَروا اكتِشافَه بأَنَّ الشَّمس هِي مَركزُ الكَون وَ ليسَتِ الأَرضُ كَما افْتَرضَ بَطلِيموسْ لَاقَت بُحوثُه مِن السُّخرِية و التَّكذِيب مَا لَاقَت. هَذَا و قَدْ أُحرقَ فريار جيوردانو برونو حَيًّا لاعتِناقِه أَفكارَ كُوبرنيكوس.
كَيفَ لَا و قَد اضْطرَّ أندرياسْ فِيزاليُوس أَن يُحْرِقَ كُلَّ مُؤَلَّفاتهِ و رُسومَاتهِ لِجَسَدِ الإِنسَانِ وَ تَشرِيحِه بَعدَ أَن قُوبِلَ إبْداعُه بالتَّكذِيب. وَ الأَعجَبُ مِن ذَلكَ، أَنَّ مُعارِضيه كَانُوا أَطِّباءَ مِثلَهُ مِمّـن أَخذَتهمْ العِزَّة بالجَهلِ فقَرّروا التمسّك بِتشْريحَاتِ ڨالن المُجَرَّبةُ عَلى الحَيوانَات و المُعَمّمة عَلى البشَر.
كَيفَ لَا وَ قَدْ تَمّ حبسُ قالِيليُو فِي بَيتِه لمُدّة أَربعٍ وَ عِشرِين سَنةٍ إِلَى أَنْ تَوفَّتهُ المَنيَّة وَ هُوَ يَصرخُ بِصوتٍ مُتهدِّجٍ " إِنَّها اكْتشَافاتٌ صَحيحَة". حُكِم عَليهِ بالمَوتِ كَمُجرِمٍ مِن قِبلِ السّلطِ لِأَنَّه اكْتشَفَ بِأنَّ لكَوكبِ المُشتَري أَقمَارًا خَاصّـة بِه. هَذا غَيرَ أَنَّه فَقدَ وَظيفتَه كَمُدَرِّسٍ إِثرَ اكتِشافِه لِقانُونِ الأَجسَامِ السَّاقطَة. و مِمّا يُهَيِّج الأَحقَادَ عَلى الطُّغاةِ الظَّالمينَ أَنَّ الكنِيسة أَلغتْ إدَانتَهَا لِغَاليليُو بَعدَ مَا يُقارِب أَربَع مِائة عَامٍ منَ الحَيف.
رُبَّما كَانَتْ ظُلَمُ الجَهلِ عِندَ البَشرِ أَرحَمَ مِن وَقعِ سَيفِ العِلمِ عَلى رِقَابِ المُستَبِدِّينَ. و لكنْ رَغمَ كلِّ هَذَا حَرِيٌّ بِنَا الإِشَارةُ إِلى انتِصارِ العِلمِ عَلَى الجَهلِ مَهمَا طَالَ المَدَى أَو قَصُرَ و الدَّليلُ أَنَّ أَسمَاءَ هَؤُلَاء العُظمَاء مَازَالتْ تُذْكَر بعدَ قُرونٍ مَضتْ و أَنَّ اكْتشَافَاتِهمْ مَهَّدتْ لِلحُرِّيَّة فِي مَوضِعٍ أَوّل ثُمَّ لِعُصَورٍ مِن النُّور و الإِزدِهَار.

بقلم وفاء الهذلي


مواضيع ذات صلة:


تعليقات