تُجّار المَوت


تُجّار المَوت


إنَّه لَمِن العَجبِ العُجابِ أَن يَصنَع البَشرُ مَا يَضُرُّهمْ و لَيسَ يَنفَعُهم. و كَأنَّ تلْكَ الظُّهُورَ التِّي احدَودَبَتْ و تِلكَ الشُّعيرَاتُ التِّي شَابَت و ذَلكَ الوَجهُ الوَسِيمُ الذِّي كَستْه التَّجاعِيد هَرمَتْ بِلا نَفعٍ يُرجَى. تَخَيَّل مَصنَعًا للسَّجائِر -السَّبَبُ الأَوَّل لِسرَطانِ الرِّئَة- فِيه رِجالٌ شِدادٌ يَعملُون صـبَاحًا مسَاءًا لِبيعِ الأَذَى و يَقبِضونَ مَالًا على صُنعِهم الأَذى و علَى رَأسِهم مُدِيرُ المَصنعِ و حَاشِيتُه و كُلُّ مَن لَه يَدٌ فِي إرسَاء مشْرُوعٍ مُماثِلٍ نـِتـاجهُ كَسبٌ مَنُوطٌ بِالمَوتِ و العَجزِ و المُعانَاة.
ضَعْ مَثلًا فِي حُسبَانِك رِجَالًا و نِساءًا كُثُرًا يَختَرِعونَ الأَسلِحةَ و يُطَوِّرونَها بَل و تَفنى حَيواتُهم فِي المَخابِر بَحثًا عنِ المَجد و النَّصرِ. وَأيُّ مـجدٍ هذَا الذِّي تَجلبُه الحُروبُ و الكُرهُ و النِّزاعاتُ، أَي نَصرٍ هَذا الذِّي يُكلِّف البَشرِيَّة أُمَمًا كَثيرَةً و وِلدَانًا كَان يُمكِن أَن تنْشَأَ عَلى الخَيرِ و عَلى حُبِّ العلْمِ، أَيُّ نصْرٍ هذَا الذِّي يُكلِّف البَشَريَّة عُقودًا مِن الأَلمِ و الذُلِّ و اليُتمِ و الفقْر و عُقودًا مِنَ النِّضالِ لاسترْجاعِ حقِّهم في الحَياةِ! تَخيَّل أيُّ عقْلٍ عَبقَريٍّ قَدْ يَكْتشِفُ عِلمًا لَا يُنتَفعُ بِهِ و يُسَخِّرِ لإِفشائِه جُيُوشًا تقْتاتُ على البَاطِلِ. فَتَبَّ أَوّل عَقلٍ استَساغَ العلْمَ المُؤذِي و تَبَّتْ أَوَّل يَدٍ صَنَعتْ المَوتَ و رَوَّجتهَ ثُمَْ كَسبَت عَليهِ مَالًا.


مواضيع ذات صلة :

تعليقات