أنا وهو و الكرسي المتحرك

أنا وهو و الكرسي المتحرك

مازلت أتذكرك كلما مررت بذلك الشارع. مازال قلبي يبصر أثر عجلات كرسيك المتحرك و يتتبعه في محاولات يائسة لإيجادك.
مازلت أتذكر القسم حيث اجتمعنا لأول مرة، كنت غبية جدا لدرجة أنني كنت أنسى مساعدتك في إخراج كتبك من المحفظة. و لكنك كنت تبرهن لي في كل مرة أنني أنا و لا أحد سواي يتربع على عرش الثقة في فؤادك فتطلب مني دونا عن أربعين أحمقا غيري أن أساعدك. فيعتريني إحساس جميل كجمال روحك و حزن عميق كعمق الفراغ بنظرتك.
لا أنسى أبدا أنك كنت تتصل بي لتقول بجمل ترتعش و كلمات تتآكل :"
- هلَّاااا.. متى ستأتين ؟
- ربما على الساعة الثالثة
- ألا تسست..طيعين أن تأتي ال.. آن؟
- بلا سآتي من أجلك"
و لا أدري كيف تحملني قدمي إليه قبل سويعات من موعد الدروس. و لا أدري لماذا أهرول إليه في كل مرة و أنا أعلم أن صمته سيثرثر حتى يزعجني و أن صدى كلماته الوحيدة يتردد في أذني دون معنى واضح " ملا مجنونة". ربما يقصد أنني أسليه، أو ربما لا يقصد غير المعنى الحرفي للكلمة.
و في كل مرة أستعد لأتلقى ذلك الكم من الإطراء على لسانه و أفضل الجلوس معه على طاولة في نهاية ممر هرم تحيط بنا نباتات طفيلية تتصنت على أحاديثنا الصامتة.
كنت أريد أن أزورك دون مواعيد و دون تكلف، و لكن و لسوء الحظ تحقق مبتغاي إثر رحيل أخيك الأكبر.
أتذكر أنني جلست قبالتك و النسوة يتهامسن برتابة مملة و أمك تولول بصوت مؤذ للأذن و القلب. كانت عيني تلتهم العدم حينها ببسمة مصطنعة تكاد تفقدني صوابي. كنت أعلم أنك تنتظر دورك إثره فالله قد جعلكما تتشاركان المرض و للأسف ستتشاركان النهاية. كنت أراك توبخ الموت بصمتك، و بدت لي في عينيك كلمة "لماذا" توجهها للإله غير عابئ بصمتي الذي لم تتعود عليه.
توفي حسام و بقيت أنت تصارع واقعك و مرضك و ألمك و ألمه. توفي و أنت تدرك كل الإدراك أن الموت رابض ببيتك ينتظر فريسته القادمة و التي كنت أتمنى أنها لن تكون أنت.
مرت فترة الحداد و أمي تقول لي في كل مرة "ما تمشيش اليوم" فأرمقها ببعض التعجب و أجيب "علاش؟" لتسكت برهة أظن أنها أثقل من مصاب حمزة ثم ترد بشيء من التحفظ " ما تخليش الطفل يتعلق بيك" ... ما هذا النشاز الذي أصم أذني ؟؟؟ نحن مجرد أصدقاء فهل تظن أمي أنه يحبني! أظن أن الشيخوخة ستقضي على عقلها في سن مبكرة. فألقي بكلماتها بعيدا حيث يعجز عقلي الباطن عن سماعها و أحمل حقيبتي و أمضي.
مرت تلك السنوات و علاقتي به تسوء أحيانا و تتحسن أحيانا أخرى إلى أن قابلنا الوحش الأعظم في تاريخ أهالينا ألا و هو "البكالوريا". كان القدر قد أبعدنا عن بعضنا البعض إذ صار كل منا في قسم. قلت مقابلاتنا و أحاديثنا و توسعت المسافة بيننا بيد أنه كان يؤنس ليلي أحيانا فيراسلني " يعدوا في فيلم كينغ كونغ في التلفزة هيا اتفرج معايا" فأشاهده معه للمرة الألف بعد المليون و إذا ما شارف الفيلم على الانتهاء كان يحدثني عن الحب بشكل يسلب العقول.
و يعود الركود إلى هذه العلاقة الغريبة من جديد، حتى تحمل الرياح ذبذبات أصوات أصدقائي و هم يقولون "حمزة مريض و راقد في السبيطار" فتراني كالمخبولة أنتظر انتهاء الدرس حتى أزوره. فأحمل ذاتي المتثاقلة المهمومة و أسير في الشوارع المقفرة نحو المستشفى العظيم و الشمس هي مؤنستي. أصل إلى جناح أمراض القلب فأبحث عنه بين الممرات و في الغرف حتى أجده فأراه يطرد المرض و يقفز من فرحه دون أن يتحرك من مقعده. نتشارك الضحك و الأحاديث الممتعة بصحبة أخيه ثم يداهمني وقت الرحيل فأعتذر و يختفي طيفي من أفقه. أنا أعرف ذلك الإحساس جيدا، عندما تنتظر زيارة أحدهم في المستشفى و أنت على يقين من الرحيل و الوحدة تكيد لك مكيدة مثمرة من الدموع و الألم.
و هكذا صرت أزوره بانتظام و آخذه في نزهة في المستشفى على كرسيه و أتأمل سعادته و أتغزل بصمته ثم أتركه لأشباح المنية تتغزل بحياته.
كنت أرجف من فكرة موته مما أثناني عن ترك زيارته حتى عندما عاد إلى إلى بيته. كان الطريق إليه مليء بالمتاعب و المخاوف و لكنها كانت تتلاشى إذا ما قارنتها بهاجس موته وحيدا.
علمت منه أنه سيتوقف عن الدراسة فهو لم يعد يزاول الشوارع حتى يعاوده المرض من شدة تلوث الهواء في مدينتا. كنت أخاف من هذه الفكرة حتما. بيته بعيد جدا و أنا مشغولة إلى أبعد حد فكيف سأستمر في عادة زيارته!
استمرت العادة رغم بعض الإخلالات الخارجة عن مقدرتي. و كللت سنتي بالنجاح فتفرغت تماما. و لكنني كنت بالسوء الذي منعني ان أزوره سوى بضعة مرات فقط طيلة عطلة الصيف.
توالت الأشهر و بدأت مرحلتي الجديدة في الحياة ألا و هي "الحياة الجامعية" و التي لم يكن يسعني فيها حتى أن أحدث نفسي. كانت البداية صعبة حد الجنون و كانت تقلباتي حينها تحول دون الإطناب في الحديث إليه فكنت أختصر كل شيء.
كان لا بد من تلك الصعوبات الي امتدت إلى ما قبل امتحانات السداسي الأول حيث عدت إلى البيت كشبح لا يُرى إلا في أواخر الليل... التهمتني الدراسة و غبت في دهاليز العلم عن العالم حتى اتصلت به ذات ليلة فقيل لي أنه انتكس من جديد و أنه في العناية المركزة هذه المرة.
و أشهد الله أنني كنت أستطيع أن أخصص له ساعة من إحدى أيامي لأزوره و لكنني فضلت أن أدرس في تلك الساعة و ربما كنت متوجسة من رؤيته في حالة أنا أعجز الخلق عن تحملها. فأبيت إلا أن أجثم ببيتي و ادعو له.
و في اليوم الذي حان فيه رحيلي كان هو كذلك قد رحل. وصلت إلى المبيت على الساعة الرابعة على ما أظن فوردني اتصال من أقرب صديقاتي " اوعديني ما تتقلقيش, راهو حمزة مات "
اكملت يومي بين تنظيف الغرفة و الضحك مع صديقاتي و كأن حمزة لم يكن يعني لي أي شيء على الإطلاق. و في أواخر الليل اشتد ألمي ففاضت بالغيث المآقي و صرت أندب حظي بل و سوء صحبتي. أنا التي أحبها و أنا صديقته الوحيدة و أنا التي لا يحق لها أن تنعم بمعنى الصداقة طيلة حياتها ما دمت قد تركته يحارب هول المنايا وحيدا متروكا و كأنما لا مكان له في قلب أحبته.
غاب و مازلت كلما مررت أمام بيته أتذكر قدميه المتورمة و وجهه البشوش، مازلت أتذكر خجله مني حتى بعد أكثر من خمس سنوات من الصداقة و مازلت أفكر في كلام أمي.
هل تراه أحبني؟ كان يجدر بي ألا أعلقه بي.
و لكن السؤال الأعمق هل تراني أحببته و أنا في غفلة مني؟

بقلم وفاء الهذلي


مواضيع ذات صلة :

تعليقات